حكمتَ, فعدلتَ, فأمِّنتَ؛ فنمت يا عُمَر
يبّدو أن هذا هو التسلسل الطبيعي و الحتمي لراحة الضمير!
إنما يعيّش الإنسانُ في أطوار, تارةً يرتقيّ و تارةً يغوّر. و حين يكون في طورٍ أو مرحلةٍ جديدةٍ, فهو يراجع الحسابات و يدرسُ الغلّطات و الزلّات. ليتعلم منها و يتطوّر, و يفهم أخطائهُ و يرتقي في الإحساس و الفكر و التصوّر. هذا حاليّ مع مدونتي هذيّ! فكأنيّ الآن عُمِّرتُ لأرّذل العمر, و حانت منيّ التفاتٌ لشبابيّ. فهجيّتُ التخليط و الغرور و التسرع! و أخذ الخجل بيّ كل مأخذ, و كما قيل: الخجلُ عاطفةٌ ثورية. و خجليّ يعني أني ثُرّتُ على نفسي من أجل الحقيقة - أو على الأقل ما أظنهُ حقيقة.
كان التخليط في الأمور و الأوضاع و الوضعيات و الأزمان و الحالات و الأفكار و الفلسفات و الثقافات و المُعتقدات و العادات و التقاليد؛ ديدنيّْ! لكنيّ تنبهت, بعدما أشتدّ عوديّ, و نضج جلديّ - بشكلٍ سريع, و كأني شُويت على سَفُّودٍ ذريّ - أنيّ إن لم أكُن أخطأت في الفكرة, فعلى الأقل أخطأت بالأسلوب.
رحلتيّ الأخيرة إلى المملكة المُتحدة, وضحت ليّ أشياءً كثيرة. أشياء كُنت أعلمُها لكنيّ لم أعيّها. قد يكون ذلك لخروجيّ من واقع الكبت, و أجواء الخنّق: من مدينتيّ و إقليميّ و منطقتيّ و دولتيّ, و من كل عالميّ الشرقيّ. أعظم درسٍ تعلمتهُ هناك: أن السؤال ليس, الحرية من ماذا؟ لكن السؤال الحقيقيّ هو, الحرية لماذا؟!
أشعر الآن أنيّ أتسمُ بمزيدٍ, و إن لم يكُن كثيرًا, من الواقعية. لقد تحررت من رومانسيتي و بحثيّ عن العالم أو المدينة الفاضلة - على الأقل على المُستوى اللاواعيّ, و أما على المستوى الواعيّ فبالنسبةِ ليّ - أيّ المدينة الفاضلة - أفكار واهية!
أنا تغيرت و لكني لم أتغير. فالأطباق التي أقدمها كما هيّ, لكن مع زيادةٍ بالجودة, و أرتفاعٍ بمستوى النظافة, و بشاشةٍ بالوجه. ما زلتُ القانط الهائج المُتشائم, لكنيّ قانطٌ هائجٌ مُتشائمٌ على المُستوى العقليّ لا العاطفيّ, أيّ أني مُخيرٌ فيّ ذلك ليس مُسير. و أنيّ حين أختار القنوط و الهيجان و التشاؤم, أختراها مُقتنعًا, مؤمنًا. و ليس كمريضٍ بالاكتئاب و القلق, بل على منهج التشاؤمية الألمانيّ, المُتمثل بشوبنهاور و نيّتشه, و المعتقد أن الحياة شرٌ لا خير فيها, و أن الوجود ورطةٌ على المستوى العقليّ و الأدبيّ. وكما جاء في الأثرّ الإسلامي, أن الحياة عجوزٌ شمطاءٌ دميمةٌ, أثقلت وجهها و يديها بالزينة!
الآن لنتحدث عنيّ, بعدما أكتفينا من الحديث عنيّ؛ أقصد لنتحدث عنيّ مع مدونتي و ما أنا فاعلٌ بها. و أما سابق الأحاديث و التدوينات فأنها ستبقى, لكنها لن تبقى هنا. فلقد خصصت لها مدونةً مستقلةً جعلتهُا أرشيفًا مغلقًا على صعيد التدوين, مفتوحًا على صعيد التعليق. و أما مُدونتي هذه, القابعة أمامكم, فهي صفحةٌ بيضاءُ مُنزهةٌ من الدنس - طبعًا حتى أعاود الكتابة فيها فتستحيل دنسًا جديدَ!
أتمنى في بدايتي الجديدة, أن أكون إنسانًا جديدًا, مُصممًا و مُهنّدسًا كما أتخيلهُ, و يالها من مُهمةٍ عويصة؛ أن يخطط و يُصمم الإنسان نفسهُ بنفسه. هذا التصميم الذيّ أتخيلهُ - و أتمناهُ لنفسيّ, مُتمثلٌ في الإنسان اللامُنتمي. الذي لا ينتميّ لا إلى مدينةٍ و لا لقبيلةٍ و لا لدولةٍ أو شعبٍ أو حضارةٍ أو حقبةٍ زمنيةٍ, أو يُصنف مع جماعاتٍ من الناس. و إنما, كما يُقال, يُبْعثُ أمةً لوحّده! ذلك ليس لأنهُ مميزٌ جهبذ, و لكنه أختار لنفسه عدم الانتماء, و راح يبنيّ لنفسه قصرًا عاجيًا - أو زريبةً طينيةً قلّ, فسعا يجمع الأثاث لهذا القصر - الزريبة, دون تفريقٍ و لا تمييّز, بل كان يختار من كل بستانٍ زهرهْ, و من كل نخلةٍ تمرهْ, و صار أثاثُ مسكنْة خليطًا لا يُصنّف؛ فهذه أريكةٌ تركية و هذا سريرٌ فيّكتوري. ذيّ أنيةٌ قوقازية و تلك سجادةٌ إيرانيةٌ.
أريدُ أن أحكم و أعدل و أأمن و أنام, و أستخدم في العطّف الواو دون الفاء, لأن لا أريد الترتيب و لا التعقيب, و إنما أريدها في نفس الوقت, لأن لا أنتظر مرسولًا لا لكسرى و لا لقيصر, إنما أنتظر خبر قبوليّ في الجامعة و البعثة حتى أعود للمملكة المُتحدة. أما البعثةُ و الجامعةُ فهيّ قضيةٌ قديمةٌ جديدة؛ قديمةٌ في وجودها, جديدةٌ في تكررّها. فأنا منذُ سنتينِ لم أبرح مكاني بعد تخرجيّ من الثانوية, و أثناء وقوفي على مُفترق طرُق الاختصاص. حتى أنيّ, لشدة حيرتيّ و تشتُتيّ, لأكادُ أن أترك أمريّ للنرد ليُحدد ليَّ مجاليّ المُستقبليّ! فأنا محصورٌ بين تخصُصاتٍ لها مُستقبلٌ واعد حين التخرج, و بين تخصُصاتٍ أُحبُها و أشغفُ بها, لكنها ليست عمليةً بالمرة! حيث أنها تتعلقُ بالعلوم النظرية. في حين أن ميكانيكية الابتعاث تُركز على العلوم التطبيقية, رغم أن البلاد تفتقد المجاليّن بنفس النسبة تقريبًا, و حتى المُتوفريّن فهم سيئين في كِلىَ المجالين.
على العُموم, مرحبًا بكم مرةً أخرى في مدونتي, أتمنى لكم سفرًا طيبًا, و إقامةً سعيدة. و من أراد منكم أن يرى مدونتي و وجهي و عقليّ القديم, فيمكنهُ الولوج عليها من هذا الرابط.